حيـــــــاة زايـــدالفارس
|

![]() |
* * *
الفصل الرابع
زايـــــــــــــــــد
المبادئ والمناقب
![]() |
زايد .. مواقف وقضايا
قال أفضل الخلق عليه الصلاة والسلام :
" ايتونى بأعمالكم ولا تأتونى بأنسابكم "
بطل في موكب الأبطال
من المؤكد انه لكل زمان رجل , ولكل قوم بطل تفاخر به , وتحمد له مواقفه وتذكر له أفضاله , وتعتد بسيرته وبطولته , ولكنهم قلائل أولئك الرجال الذين تتجاوز أعمالهم ومواقفهم حدود بلدانهم الطبيعية , فيصبحون عندئذ من عظماء رجال التاريخ وفحوله .
وهؤلاء العظماء التاريخيون " إنما هم الأئمة , وهم المكيفون للأمور , وهم الأسوة والقدوة وهم المبدعون لكل ما وفق إليه أهل الدنيا على حد قول لـ " توماس كارلايل " في كتابه الأبطال , والبطولة في مذهبه هى العروة المقدسة التى تعقد ما بين الرجل العظيم وبين سائر الناس .
" كما أن الاحتفاء بالبطولة وتقدير الأبطال ليس مما يحدد في إطار محلى أو يدخل في عداد المشاعر القبلية أو الطائفية فان البطل يتخطى بسيرته وأفعاله حدود وطنه وزمنه , ويصبح ابن الدنيا كلها , وفتى العصور جميعها " . ( 62 )
وفى ضوء هذه النظرة يمكن تقييم مواقف صاحب هذه السيرة , ووضعه بدون تجاوز في مواقع الابطال التاريخيين في عصره .
لا نقول انه بطل العصر , ولكننا نجزم انه واحد من ابرز زعماء العالم الثالث الذين ظهروا في مطلع هذا القرن كمصطفى كامل , وعبد الناصر في مصر وغاندى ونهرو في الهند وعبد العزيز ال سعود في الجزيرة العربية , ومحمد الخامس في المغرب واقبال في باكستان ومصطفى كامل أتاتورك في تركيا .. مع اختلاف كل واحد من هؤلاء في الفلسفة والنهج والسلوك والمواقف , وانما شىء واحد جمع هؤلاء هو أنهم قد استطاعوا جميعا ان يحفروا بصماتهم في التاريخ , وان تتجاوز مواقفهم واعمالهم وذيوع شهرتهم حدود اوطانهم وهؤلاء هم الابطال التاريخيون .
وكل واحد من هؤلاء الفحول كان يبحث عن هدف , ويسلك وسائل مختلفة عن الآخر في بلوغه إلى ذلك الهدف .
منهم من كان يبحث عن الكرامة , ومنهم من كان يبحث عن الحرية , ومنهم من ظل يبحث عن السلام ومنهم من عاش يبحث عن المجد اما زايد البطل لهذه السيرة فحاكم يبحث عن المستقبل ورجل لا يكل في البحث عن التقدم .
العالم في نظره عائلة إنسانية
كان الرجل منذ توليه السلطة في السادس من أغسطس عام 1966 يعمل في جبهات ثلاث في آن واحد .
الإصلاح الداخلى في بلاده وقد خطى في ذلك خطوات هائلة ولكن طموحه لا زال يتوق إلى آفاق جديدة في البحث عن المستقبل وتحقيق التقدم الحضارى لبلاده .
وظل يعمل في نفس الوقت لا يجاد صلة من التفاهم والتوافق بينه وبين جيرانه فحقق خطوة على الطريق هي توحيد الكيانات الممزقة إلى كيان موحد هو الدولة الاتحادية .
وعلى الطريق ظل يعمل ولازال من أجل خلق نوع من الانسجام والتعاون بينه وبين العالم العربى والاسلامى.وعلى نفس الطريق هدم جدران العزلة بينه وبين العالم , وفتح نافذة تطل منها دولة الإمارات من خلال التعاون في العلاقات الدولية .
ولهذا قال زايد : " ولقد كان خيارنا الاول ان نضع انفسنا في صف الاسلام والعالم العربى فوسعنا علاقاتنا مع العالم الثالث , واخيرا مع الاسرة الدولية عموما , كان هدفنا ايجاد صلات , ثم بناء التجارة ".
واوليت افضلية رئيسية لتأسيس علاقات طيبة مع الشيخ راشد حاكم دبى ومستشاره وساعده الايمن السيد مهدى التاجر , الذى عين فيما بعد أول سفير لدولة الإمارات في لندن , وهو دبلوماسى يتمتع بقدرة فائقة على التفاوض , ومقدرة في المشروعات التجارية " . ( 63 )
ويعتبر الشيخ زايد العالم بما فيه الإمارات المجاورة , عائلة إنسانية ، منطلقا من مفهوم واضح عنده في العلاقات الدولية وهو " انه لا يمكن لأى انسان ان يعيش منعزلا عن الآخرين , فكما ان الانسان يحتاج إلى عائلته واقاربه فهو بالقدر ذاته في حاجة إلى التعاون والصداقة مع مناطق اخرى , قريبة كانت أم بعيدة .
لقد خلق الله الناس على حد قوله ليعيشوا مع بعضهم , بغض النظر عن مراكزهم في الحياة , والبرهان على ذلك أن أكبر دولة على وجه الارض تحتاج إلى اصغر دولة .
وكثيرا ما تكون البلدان الصغيرة ذات مميزات حسنة لا تتوافر لدى البلدان الكبرى كميزة النفط .
ان اعظم مهمة للاقناع هى في جعل البشر في كل انحاء العالم يسعون لخلق علاقات فيما بينهم لكى يتسنى لهم الاستفادة من بعضهم . ان هذا التعاون هو ما يريده الله .
ان اى بلد يطمح إلى ان يعمل منفردا لن ينجح في المدى البعيد , اننى ارغب واتمنى ان تتحقق " الوحدة " للجميع . وانا اصلى لكى تتحقق هذه الوحدة في المستقبل القريب . ( 64 )
* * *
الإيمان الواثق منطلق لأعماله
ورجل بفكر هذا التفكير العميق , لا اعتقد ان الانسان في حاجة لان يعصر افكاره لكى يدلل على عبقرية البطولة او سمة الريادة عنده , ومع ذلك فان المواقف المجسدة عملا لهذا التفكير المبدئى الثابت ستتضح بعد قليل من خلال مواقفه التاريخية سواء في مجال التعاون مع جيرانه أو في مجالات العلاقات والصلات التى عمقها سلوكه وسياسته مع العالم .
ان تاريخ الرجل هو مجموعة من الاعمال المترجمة والمجسدة على ارض الواقع بعيدا عن المزايدات او الشعارات , وهى اعمال يحكمها جميعا مبدأ ثابت هو الايمان , واليقين بالله وبالانسان بلا حدود , واما الشعارات فهى في بعض الاحيان امر هدام , والذين يتبنون الشعارات على حد قول لزايد هم في الواقع متحجرون غير خلاقين وقد توقفوا عن التفكير .
" فابدأ بتجسيد مبدأ أنت صاحبه فالمرء يعرف من مبادئه " .
* * *
رجل لم تغيره الثروة
لقد تغير كل شىء في بلاده .. حياة الناس , وطبيعة المجتمع غير أن الرجل لم يتغير من الداخل .. طبيعته وسجاياه ومظهره هى تلك التى كانت منذ ثلاثين عاما .. ربما تغير كل شىء من حيث المظهر , إلا أن الثروة لم تكن عنده إلا وسيلة من أجل سعادة الإنسان وتحقيق تقدمه , لا من اجل إفساده وشقائه وتغيير شكله الخارجى كما يفعل اليوم محدثو النعم من أولئك الناس الذين نزلت عليهم الثروات فطغوا في الأرض فسادا . ولهذا فزايد يعلن دائما ان عادات زايد لا تتغير . وحين يسأل : " لقد أحدثت تغييرات هائلة في بلادك , ولكن مظهرك لم يتغير ؟ ويرد زايد اننى اشعر كفرد اننى لم أتغير أبدا . اجل اننى لا أريد أن اتغير كفرد , ولا أريد أن أغير شخصيتى بأى مجهودات إرادية " .
نحن هنا أمام إنسان مؤمن قوى لا تغره السلطة , ولا يفسده المال ومع ذلك اتخذ من السلطة وسيلة لتحقيق انجازات لصالح الإنسان منطلقا من مبدأ يؤمن به وهو أنه " لا يجب على المرء أن يضع نفسه في موقع القيادة ما لم يتم الاعتراف بسلطته , فتحقيق الانجازات يتطلب سلطة كافية . وهذا هو مفهومه للسلطة .
وإما المال فلا قيمة له عنده , اذا لم يكن وسيلة أيضا من اجل إسعاد الإنسان .
ولهذا استطاع زايد في اقل من عشر سنوات ان ينهض ببلاده إلى مصاف الدول المتحضرة في العالم .
ومن بلد صغير لا هاتف فيه ولا طرق معبدة , ولا جيش ولا تعليم .. إلى بلد انتقل اليوم إلى عصر التكنولوجيا الحديثة وكانت هذه النقلة الحضارية اكبر شهادة يفخر بها زايد أمام العالم . انه الطموح والإيمان الواثق .
" لان الإيمان يصنع المعجزات تماما كما تصنع الثروة وسائل التقدم وهو مؤمن تقى وغنى متواضع " له قوة في دين , وحزم في لين وإيمان في يقين , وحرص في علم , وعلم في حلم ,
وقصد في غنى " ( 65 )
وهى من علامات المتقين التى قال عنها على كرم الله
هذا الإيمان الواثق كان دليل زايد في كل مواقفه العظيمة مع قضايا الحق والعدل عموما , ومع أشقائه وجيرانه وأصدقائه في العالم العربى والإسلامى خصوصا .
لقد كانت مواقف الرجل مع الجيران في الجزيرة العربية والخليج العربى وفى قضايا امتنا القومية ومواقفه مع قضايا العالم الثالث والعالم الإسلامى , وعلاقاته الدولية بالعالم تحكمها هذه الضوابط السلوكية والاخلاقية المنطلقة من الإيمان العميق الواثق الذى لا يتغير , ولا يتبدل مع المتغيرات السياسية محلية كانت أم دولية .
فلنحاول الآن أن نقف وقفة تأمل عاجلة وتقييم شامل لتلك القضايا التى كانت حصاد تلك المبادئ التى يؤمن بها زايد , ويترجمها إلى تجسيد ملموس في كل اتجاه .
* * *
مفاوض بارع
ومما يذكر للشيخ زايد من مزاياه هى براعته كمفاوض ماهر .. ليس ذلك فحسب , بل في كونه نموذجا حيا للشهامة والتسامح في حدود الكرم , وحنكة السياسى الماهر .
فحين تمت المفاوضات بينه وبين المغفور له الملك فيصل بن عبد العزيز ملك المملكة العربية السعودية حول تسوية حدود البريمى بين الدولتين .. وكان الحوار التإلى الذى ننقله حرفيا كما جاء في رسالة دكتوراه صدرت بالانجليزية في عام 1979 تحت عنوان : " الوحدة بالتمزق " للدكتور على محمد خليفة , والذى يعمل محاضرا في الأكاديمية العسكرية في الرياض ص204 205 وهذا هو النص :
" فيصل يقول أثناء المفاوضات لزايد حول خطوط الحدود :
القضية بالنسبة لنا هى قضية كرامة وشرف .. فالبريطانيون طردونا بالقوة من البريمى وهذا لا ننساه .
وعلى هذا الأساس فان اقتراحنا يختص بحدودنا الشرقية الذى قدمناه في عام 1970 هو اقتراح معقول :
( وخلاصته ) : أن للسعودية جزء من البريمى " .
فرد عليه زايد :
" لا يا صاحب الجلالة فان حدودكم الشرقية يجب أن تكون هكذا ..
وأمسك الشيخ زايد بالقلم ورسم خطا يمر بوسط الخليج العربى من شط العرب إلى مضيق هرمز
![]() |
بمعنى آخر أن الإمارات بحدودها البرية والبحرية هى جزء منكم " .
فرد الملك فيصل :
" الآن حلت المشكلة " .
وهذا درس في الدهاء من الشيخ زايد حسب تعبير الكاتب ربما كان هو الشىء الوحيد الذى حل المشكلة .
وحقأ فقد كان العاهلان عظيمان على مستوى رفيع من المسئولية والإيثار والاستعداد للتضحية والكرم والنبل والمبادئ السامية .
* * *
زايـــــــــــد ..
و دول الجزيرة والخليج العربى
كانت من هموم الرجل ومشاغله عقب توليه السلطة تحسين علاقاته مع أشقائه وجيرانه من الإمارات المجاورة , وقبل أن يبدأ الرجل مشاوراته الرسمية بإمارات الخليج من أجل إيجاد شكل من أشكال الاتحاد معها ,جسد عمليا مفهوم الوحدة بمجموعة من المواقف والأعمال التى تجلت آنذاك بتقديم معونات مادية سخية للإمارات التى كانت محرومة من الثروة, فقدم لجيرانه المعونات وسهل لأبنائها حق العلم وحق العمل , وحق المواطنة لمن رغب منهم .
* * *
خطوة على الطريق
كانت أبو ظبى هى الدولة التى انعم الله عليها بثروة البترول , ولكن هذه الثروة كانت مخزنة ومكدسة تحت الأرض فيما مضى , حرم منها أبناؤها , وحرم جيرانها فجاء زايد ورتب أوضاع بلاده الداخلية وحسن أحوال شعبه , وانطلق على الفور لتحسين أحوال جيرانه , فأصدر مراسيم فورية بالسماح لأبناء الإمارات المجاورة بممارسة الاعمال التجارية , والحصول على الرخص اللازمة لذلك دون الحاجة إلى شريك محلى .
كما أعطى حق التعليم لكل مواطن من أبنائها بالبعثات الخارجية شأنهم في ذلك شأن أبناء إمارته , وتدل إحصاءات دائرة المعارف ( 66 ) في العام الدراسى 68 / 1969 , أن مجموع بعثاتها الخارجية كانت تضم 203 طلاب معظمهم من أبناء الدول المجاورة وهم كالتإلى : أبو ظبى 65 طالبا , ودبى 34 طالبا , والشارقة 32 طالبا , ورأس الخيمة 39 طالبا , وعجمان 6 طلاب , وأم القيوين 6 طلاب , وقطر طالبان وعمان 19 طالبا يدرسون على حساب إمارة أبو ظبى , كما أنشأت الإمارة قسما داخليا في أبو ظبى ضم 60 طالبا من أبناء الإمارات المجاورة يدرسون في المرحلة الثانوية , 50 طالبا منهم في المرحلة الثانوية يدرسون في القسم الداخلى في مدينة العين .
وتحملت أبو ظبى نفقات المعهد الإسلامى في عجمان وأربع مدارس ابتدائية في " نجا " و " رأس الخيمة " يعمل بها أربعون مدرسا يتقاضون مرتباتهم من إمارة أبو ظبى .
وفضلا عن ذلك تحملت إمارة أبو ظبى في عام 1967 50% من ميزانية تطوير إمارات ساحل عمان , و90% من هذه الميزانية في عام 1968 و95% في عام 1969 , وقد استطاع مجلس التطوير في السنوات الثلاث المذكورة انجاز مشروعات مهمة في الإمارات المجاورة كطريق الشارقة الذيد وطوله 60 كيلو مترا , وطريق الخوانيق دبى وطوله 20 كيلو مترا , ومجموعة الطرق الداخلية في عواصم الإمارات , بالإضافة إلى بناء عدد كبير من المساكن الشعبية والمدارس والمستشفيات ومشروعات الهاتف والكهرباء .
ورصدت أبو ظبى في خطتها الخمسية الأولى 30 مليون دينار للإمارات المجاورة وأنجزت فعلا عديدا من الطرق بينها وبين الإمارات الأخرى وطريق أبو ظبى دبى 125 كيلو مترا هو اكبر ترجمة فعلية لتلك الانجازات التى تمت لصالح الإمارات المجاورة من ميزانية أبو ظبى قبل الاتحاد , وقدرت تكاليفها بحوإلى 5 ملايين دينار .
هذه كانت خطوة على الطريق . أعقبتها مجموعة من الخطوات كإنشاء المكاتب في الإمارات المجاورة بهدف القيام بالدراسات والأبحاث لتطوير الإمارات وتيسير العمل لأبنائها , وتقديم المنح الدراسية وكان افتتاح أول مكتب لإمارة أبو ظبى في مدينة الشارقة في يونيو 1968 .
* * *
تلاشت مشاكل الحدود
وانطلق زايد بعد ذلك إلى المشاكل التى خلقها الاستعمار , ومنها مشكلة الحدود فعمل على إيجاد حل لتسوية الحدود البرية والبحرية فكانت " اتفاقية السميح " للحدود البحرية التى وقعت في 18 فبراير سنة 1968 بين إمارة أبو ظبى وإمارة دبى , تبعتها تسوية أخرى للحدود البرية .
ولقد كان الرجل متسامحا مع أشقائه حول هذه التسويات إلى ابعد الحدود . لماذا ؟ لان الرجل يدرك " المصيدة " التى اقامها الاستعمار , وكانت نظرته دائما إلى بعيد .. إلى ذلك اليوم الذى تنتصر فيه ارادة الوحدة على مزالق التمزق .
وفى ذلك يقول زايد : " إننا نحرص على المودة والإخوة فيما بيننا , وانك إذا أخذت شيئا من يدك اليمنى لتضعه في يدك اليسرى , هل يمكن أن يقال انك فقدت شيئا ؟ . نحن جميعا أخوة وجسد واحد ".
معنى أخر جسده زايد مع أشقائه لم يكن موجودا قبله , ذلك هو مبدأ المودة والإخاء والتسامح تجسيدا لإيمانه الذى لا يتزعزع " إذا كان جارك سعيدا فأنت سعيد مثله " ذلك هو مبدأ الرجل صاحب الرسالة وصاحب النظرة البعيدة .
* * *
تبادل الزيارات كانت دعوة إلى الاتحاد
وكان نشاط الرجل لا يكل نحو إيجاد روابط قوية من التماسك بينه وبين أشقائه , وتبادل الزيارات مع جيرانه , وبدأ يمهد لدعوته لتحقيق الاتحاد .
وكانت " اتفاقية سميح " بينه وبين جاره القوى حاكم دبى دعوة صريحة لحكام إمارات ساحل عمان , وحاكمى قطر والبحرين للتداول حول مستقبل المنطقة والاتفاق معا على عمل موحد لا يجاد شكل من أشكال الاتحاد , واستجاب حكام الإمارات بما في ذلك قطر والبحرين لهذه الدعوة على النحو الذى سنعالجه في موضعه وقام الاتحاد من الإمارات السبع بعد انسحاب قطر والبحرين الذين ترك لهما الباب مفتوحا للالتحاق بهذا الاتحاد .
* * *
العلاقات مع السعودية
وظلت العلاقات حتى عام 1974 بين أبو ظبى والسعودية متوترة حول مشكلة البريمى ثم استطاع زايد .. وفيصل رحمه الله إنهاء هذه المشكلة بروح الإخوة والمودة , وهو أمر أدهش المراقبين في حينه . وقد اعتبر حل هذه المشكلة التاريخية المعقدة بين الأشقاء في أبو ظبى والسعودية معجزة الثلث الأخير من القرن العشرين .. وهنا يمكن القول ان العاهلان كانا يمثلان معا قمة المسئولية والعظمة فقد تجاوزا العقد وتجاوزا الشراك التى نصبها الاستعمار , واستطاعا أن يتطاولا بقاماتهما إلى السماء لان أواصر الإخوة والاتفاق بينهما أكثر من عوامل الخصومة والاختلاف , ولان الرجلين كانا في مستوى عصرهما .
رحم الله فيصل فقد كان سياسيا عظيما , وحيا الله زايد الرجل الأصيل .. الكريم المتسامح والعملاق في عصر العمالقة .
ولقد كان النجاح حليفه , لان نواياه كانت صادقة , وإيمانه ثابت .
وكانت لصلاته المستمرة مع أشقائه في الجزيرة والخليج اكبر الاثر في تحقيق نجاحاته المستمرة لأنه يدرك أهمية هذه الصلات , ويعى ضرورة هذا التعاون بينه وبين جيرانه . واعتقد انه كمفاوض ماهر يطبق مأثورة معاوية بن أبى سفيان رضي الله عنه:
" لو أن بينى وبين الناس شعرة ما انقطعت ,
فهم إذا شدوا أرخيت , وإذا أرخوا شددت " .
ولذلك يقول : " إن منطقة الخليج مهمة بالنسبة إلى العرب وإلى العالم , وهذا ما يجعلنا على اتصال مستمر مع إخواننا , وأشقائنا فيما يتعلق بالقضايا العربية وخصوصا قضايا الخليج العربى , ونحن نتطلع دائما إلى التعاون والبناء في هذه المنطقة " .
* * *
تحييد منطقة الخليج والحفاظ على أمنها
ومن هذا الموقف تلاحقت زيارات زايد إلى كل الأقطار المجاورة الكويت , البحرين , قطر , عمان , شطرى اليمن الجنوبى والشمإلى , وإيران والعراق .
واستطاع بذلك حل مشاكله مع جيرانه , وخاصة مع سلطنة عمان وتكوين علاقات اوثق مع اليمن الشمالى , وتحييد أو تجميد نشاط اليمن الجنوبى المعادى ضد بلاده والبلدان المجاورة وهكذا يحاول . وينجح الرجل في علاقاته بجيرانه , ويبذل الكثير من أجل الجميع .. لأنه يؤمن بخطورة الأضرار إذا ظلت الأمور مع الجيران على توترها وحدتها ولهذا عرفت سياسة دولة الإمارات الخارجية بأنها سياسة متزنة ومرنة .
ولم يكن زايد في كل تلك المساعى إلا داعية من أجل التعاون والتضامن وتحقيق نوع من الانسجام لتحييد الخليج وإبعاده عن توتر الصراع الدولى وحظر التدخلات الأجنبية الكبرى التى تهدد أمنه وسلامته .
ومن أجل هذا دق زايد ناقوس الخطر في أكبر تجمع دولى في المؤتمر الخامس للدول غير المنحازة الذى عقد في كولمبو في 17 أغسطس 1976 حيث قال في خطابه إلى المؤتمر : " إننا نشعر بالقلق في تزايد التنافس في منطقة المحيط الهندى , وإقامة القواعد والمرافق العسكرية هناك , ونرى احترام قرار الأمم المتحدة 2832 (د) 76 , الذى أعلن فيه المحيط الهندى منطقة سلم , كما أننا نرجو أن تبقى هذه المنطقة خالية من السلاح الذرى " .
إن دولة الإمارات العربية المتحدة التى حصلت على الاستقلال مؤخرا تعمل من اجل توثيق التعاون بين دول الخليج من أجل التحرر , وأحب أن أؤكد هنا أننا لا ندخر في ذلك وسعا من أجل تحقيق الأمن والاستقرار في منطقتنا هذه عن طريق التعاون البناء , وإبعاد المنطقة عن اى تدخل خارجى , وعن جميع أشكال الصراع الدولى " .
ومن أجل هذا تنادت دول الخليج منذ فترة قصيرة على ضرورة التنسيق والعمل فيما بينها لإيجاد نوع من الحفاظ على أمن الخليج واستقراره , وعقدت مؤتمرات من أجل هذا الغرض , وان كانت حتى الآن لم تؤدى إلى وفاق بسبب بعض السياسات المنحازة إلا أن العلاقات الثنائية والتنسيق الثنائى بين المملكة العربية السعودية والإمارات من جهة وسلطنة عمان والإمارات من جهة أخرى يبشر بنتائج ايجابية وخطوات فعالة نحو توثيق وتعزيز الروابط الأخوية والتعاون من أجل الحفاظ على أمن الخليج واستقراره .. باعتبار امن المنطقة وحمايتها من الأخطار المحلية , والشيوعية , والغربية جزء لا يتجزأ .. من مسئوليتها الوطنية ومهامها القومية والتاريخية .
ولعل بعثة الامن السعودية المقيمة في أبو ظبى منذ 1976 من اجل تنسيق الجهود الأمنية بين الدولتين لأكبر دليل على التعاون الثنائى المشترك والفعال من اجل هدف حماية أمن الخليج من الأخطار المحدقة والمتعددة الأطراف والاتجاهات , وطريق نحو تعزيز الروابط الأخوية والتعاون الفعال بينهما في المجالات الثنائية المختلفة . وهو مؤشر له مغزاه , وله أبعاده العميقة التى يدركها أولئك الذين يعملون في الظلام ويتسللون في خفية كالخفافيش من أجل أغراضهم ومطامعهم التى تستهدف إجهاض مسيرة التقدم , والانقضاض على أبار البترول وعلى الحياة والقيم العريقة في منطقة الجزيرة والخليج العربى .. وهو حلم لا علم .. لا طائل وراءه .
* * *
ـــــــــــــــــــــــــ
هوامش ومصادر
ـــــــــــــــــــــــــ
( 62 ) شخصيات فوق العادة , السيد فرج ص9
الناشر دار المعارف بمصر .
( 63 ) كلود موريس المرجع السابق ص79
( 64 ) من مأثوراته وأقواله التى أدلى بها للصحفى البريطانى كلود موريس ، انظر صقر الصحراء ص79 وما بعدها لمزيد من الاستفادة .
( 65 ) من مأثورة خالدة لعلى بن ابى طالب كرم الله وجهه وارضاه في وصف المتقين .
وعندما نعدد مناقب الرجل لا نستهدف المدح ولكننا نقرر حقيقة ملموسة فزايد كإنسان وكحاكم غنى عن المديح ، كغنى نفسه وإيمانها وثقتها بذاتها وبالله وهذا مالا يقبله هو ، ولا نستسيغه لأنفسنا .
ومع ذلك فالامانة تقتضى تقرير ذلك ، مهما بدا للبعض انه تجاوز , وإذا وجد من ينكر الشمس في كبد السماء .
( 66 ) كان يطلق هذا الاسم قبل تعديله الجديد حيث كانت الدائرة في أبو ظبى تحل محل الوزارات اليوم في الدولة الاتحادية .
* * *
![]() |























0 التعليقات:
إرسال تعليق